روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
223
عرائس البيان في حقائق القرآن
أنوار قدرته ، والعقول فانية في لمعان بديع صنائعه ، والقلوب مضمحلة في لزوم واردات تقلب قضائه وقدرة ؟ ! علم سبحانه عجز الخليقة عن وصف جلاله وإدراك كماله ؛ فإنهم لا يحتملون ذرة من أنوار ذاته وصفاته عند ظهور كشفها بنعت غلبة قهره على الأكوان والحدثان ، فأجمل القول بقوله : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ؛ حيث وصفوه بنعت الأنداد والأضداد ، ثم فصّل من بطون الأفعال ولوائح أنوار بعض الصفات ، فقال : وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ : لو وصف حقيقة نفسه بغير ذكر الأكوان والأفعال لغابوا في مهمة الأوهام ، وما تخلصوا أبدا من تراكم الأفكار في طلب الأسرار ، بل أحالهم إلى رؤية الفعل المحيط به صفاته أي : كيف تدركون من كان قهره وعظمته في مباشرة فناء العالم هكذا من حيث عقولكم ، وأن السماوات والأرضين أقل من كرة في ميادين قهر صفاته ؟ ! وعندكم أن العظيم لو يكون من يقلع جبيلة من الجبال ، فذكر فعله على حد عقولهم ، فلما علم ترددهم في مماثلته أفعاله ووقوع عقلهم في أودية الإشكال ومخائيل الأبعاض نزّه نفسه عن ذلك في آخر الآية ، كما نزّه نفسه في أولها ، فقال : سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 67 ) أي : تقدّس عن أن يقيسه المتقايسون أو يشير إليه المشيرون ، أول الآية ذكر قدم القدم لأهل الفناء في التوحيد الذاتي ، وأوسط الآية ذكر ظهور جلاله وجماله بنعت الالتباس في آياته الأفعال للعاشقين ، وآخر الآية ذكر حقيقة السر الصفاتي بنعت التقديس والتنزيه ، ووصف إفراد قدمه عن الحدوث ، فرؤية الذات لأهل الفناء ، ورؤية الصفات لأهل البقاء ، ورؤية الجمال والجلال في الأفعال لأهل العشق ، وكلهم معزولون عن ساحة الكبرياء بقوله : سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ . قال سهل في قوله : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ « 1 » : ما عرفوه حقّ معرفته في الأصل ولا في الفرع . وقال الحسين : كيف يعرف قدره من لا يقدر قدره سواه .
--> ( 1 ) القدر بمعنى التعظيم كما في القاموس فالمعنى ما عظموا اللّه حق تعظيمه حيث جعلوا له شريكا بما لا يليق بشأنه العظيم ويقال قدر الشيء قدره من التقدير كما في المختار . فالمعنى ما قدروا عظمته تعالى في أنفسهم حق عظمته ، وقال الراغب في المفردات ما عرفوا كنهه . يقول الفقير : هذا ليس في محله فإن اللّه تعالى وإن كان لا يعرف حق المعرفة بحسب كنهه ؛ ولكن تتعلق به تلك المعرفة بحسبنا فالمعنى ههنا ما عرفوا اللّه حق معرفته بحسبهم لا بحسب اللّه إذ لو عرفوه بحسبهم ما أضافوا إليه الشريك ونحوه فافهم . تفسير حقي ( 12 / 325 ) .